مقبرة سفن تحت مياه ليبيا.. اكتشاف أثري جديد لأسرار ميناء بطليموس الغارق
نجح فريق من علماء الآثار تحت الماء من جامعة وارسو، بالتعاون مع خبراء محليين، في اكتشاف منطقة واسعة تضم عددًا من حطام السفن الأثرية (مقبرة سفن).
واكتشف الفريق هذه المنطقة قبالة سواحل شمال ليبيا بالقرب من ميناء مدينة بطليموس القديمة.
ويسلط هذا الاكتشاف الضوء على الأهمية التاريخية والبحرية لهذا الموقع الذي كان في الماضي أحد أبرز موانئ شرق البحر المتوسط.
وبحسب ما أورده موقع Heritage Daily، اليوم، فإن المعطيات الأولية تشير إلى أن الموقع لا يضم مجرد حطام منفرد.
ويمثل الموقع ما يشبه “مقبرة سفن”تراكمت فيها بقايا عدد من السفن عبر فترات زمنية متعاقبة. ما يمنح الباحثين فرصة نادرة لإعادة قراءة تاريخ الملاحة والتجارة في المنطقة.
أين تقع “مقبرة السفن” المكتشفة؟
يقع الاكتشاف بالقرب من مدينة بطليموس القديمة، وهي مدينة أثرية تقع في شمال شرق ليبيا على ساحل البحر المتوسط.
وتعرف هذه المدينة اليوم باسم طلميثة، قرب مدينة المرج، ضمن إقليم برقة التاريخي.
وكانت بطليموس واحدة من المدن الخمس القورينائية الشهيرة، التي ازدهرت خلال العهدين البطلمي والروماني.
كما شكلت مركزًا بحريًا وتجاريًا مهمًا منذ أواخر القرن الرابع وحتى القرن الثالث قبل الميلاد. قبل أن تظل تحتفظ بدورها الحيوي لقرون طويلة حتى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي.
تراكم الحطام على امتداد أكثر من 100 متر
وأظهرت أعمال المسح الأثري تحت الماء وجود تركيز كثيف للغاية من المواد الغارقة يمتد على مساحة تتجاوز 100 متر.
ويرجح التقرير أن الموقع شهد تراكمًا متتابعًا لحوادث غرق متعددة عبر الزمن، نتيجة اقتراب السفن من منطقة خطرة قرب مدخل الميناء.
ويرى الباحثون أن هذا التجمع الكبير لحطام السفن يشير إلى أن المنطقة ربما كانت تمثل عقبة ملاحية خطيرة للسفن القادمة إلى الميناء أو المغادرة منه.
ويتزامن ذلك مع وجود تكوينات صخرية ضحلة يُعتقد أنها تسببت في عدد من الحوادث البحرية على مر العصور.
تغيرات البحر والزلازل أغرقت أجزاء من الميناء القديم
وخلال أعمال الاستكشاف، ركز الفريق الأثري على دراسة المعالم البرية والمغمورة بالمياه، لا سيما منطقة الأكروبوليس وبقايا الميناء القديم.
وأوضح بارتوش كونتني، قائد البعثة، أن التغيرات الطبيعية لعبت دورًا رئيسيًا في غمر أجزاء من الميناء.
وأشار إلى أن ارتفاع منسوب البحر الأبيض المتوسط تدريجيًا عبر القرون. إلى جانب تأثير الزلازل وتآكل الساحل، أدى إلى اختفاء أجزاء من البنية التحتية للميناء تحت سطح الماء.
وأضاف أن الفريق رصد بالفعل أعمدة أثرية، وآثار طرق مغمورة، وعددًا من المراسي القديمة، وأدوات كانت تُستخدم لاستكشاف قاع البحر في العصور القديمة.
وأكد أن هذه المكتشفات ستخضع لدراسات تفصيلية خلال المواسم الأثرية المقبلة.
قطع أثرية نادرة.. من جرار فخارية إلى جزء من ميزان روماني
ولم تقتصر الاكتشافات على حطام السفن فحسب، بل شملت مجموعة من القطع الأثرية البحرية التي تساعد على فهم طبيعة النشاط الاقتصادي في الميناء القديم.
ومن بين أبرز ما تم انتشاله شظايا من جرار فخارية كانت تُستخدم على الأرجح في نقل البضائع.
بالإضافة إلى قاعدة برونزية تبين أنها جزء من ميزان روماني يحمل تصميمًا على شكل رأس امرأة، ما يضفي على الاكتشاف بعدًا فنيًا وتاريخيًا مهمًا.
اكتشافات على اليابسة تكشف شبكة دفاعات وطرقًا رومانية
بالتوازي مع أعمال الغوص والمسح البحري، تمكن فريق أثري آخر يعمل على اليابسة، بقيادة سيمون لينارتشيك، من تحقيق اكتشافات موازية تعزز أهمية الموقع.
وقد عثر الفريق على طريق غير معروف سابقًا يقود إلى الأكروبوليس.
إلى جانب ما يُعتقد أنها أبراج مراقبة كانت على الأرجح جزءًا من منظومة دفاعية لحماية المدينة ومينائها.
كما عثر الباحثون على علامة طريق رومانية تحمل نقشًا يونانيًا يعود إلى عهد أسرة سيفيروس، ويرجح تأريخها إلى بدايات القرن الثالث الميلادي.
اكتشاف يعيد رسم تاريخ الملاحة في شرق المتوسط
يمثل هذا الكشف الأثري خطوة مهمة نحو إعادة بناء المشهد البحري والتجاري لمدينة بطليموس القديمة.
كما يمنح الباحثين أدلة مادية على المخاطر الملاحية التي كانت تحيط بالميناء، وكذلك على حجم النشاط التجاري الذي ازدهر فيه عبر قرون طويلة.