درون بحري شمسي يجوب المحيطات لأشهر للبحرية الأمريكية
تواصل البحرية الأمريكية تسريع خططها لبناء أسطول بحري أكثر اعتمادًا على المنصات غير المأهولة.
وتستهدف البحرية أن يشكل هذا النوع من الوحدات نحو نصف الأسطول السطحي الأمريكي بحلول عام 2045. في تحول يعكس تغيرًا جوهريًا في طبيعة العمليات البحرية الحديثة، نقلًا عن “العربية”.
وأدخلت البحرية الأمريكية في فبراير 2026 أحدث منصاتها البحرية غير المأهولة إلى الخدمة، وهي الدرون البحري الشمسي “Lightfish”، الذي تطوره شركة “Seasats” في مدينة سان دييغو.
ويمثل هذا الدرون جزءًا من توجه متسارع نحو تعزيز قدرات المراقبة البحرية والاستطلاع طويل المدى، مع تقليل الاعتماد على السفن المأهولة في المهام الروتينية أو الممتدة داخل البيئات البحرية الحساسة.
منصة صغيرة بقدرات تشغيلية طويلة
ورغم أن “Lightfish” تبدو منصة صغيرة الحجم مقارنة بالسفن التقليدية؛ فإنها صممت لتؤدي مهامًا بحرية متقدمة تشمل المسح البحري، والأبحاث، والدوريات الأمنية، والمراقبة المستمرة.
ويبلغ وزن المنصة نحو 305 أرطال فقط، فيما يصل طولها إلى 11.4 قدم وعرضها إلى 3.4 قدم، ما يجعلها سهلة النقل والنشر والتشغيل.
لكنها في الوقت نفسه قادرة على تنفيذ مهام ممتدة في البحر لفترات طويلة دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر.
وبالنسبة إلى البحرية الأمريكية، ستستخدم المنصة في مراقبة السواحل والموانئ وأعالي البحار، ضمن مهام تهدف إلى تعزيز الوعي بالمجال البحري، ورصد التحركات المشبوهة، ودعم أمن الممرات البحرية.
6 أشهر في البحر.. و8 آلاف ميل بحري دون تدخل بشري
أحد أبرز عناصر القوة في الدرون “Lightfish” يتمثل في قدرته على البقاء في البحر لمدة تصل إلى 6 أشهر كاملة، أو قطع مسافة تصل إلى 8 آلاف ميل بحري، من دون أي تدخل بشري.
وتمنح هذه القدرة البحرية الأمريكية أداة فعالة للانتشار طويل الأمد في مناطق بعيدة أو حساسة. مع تقليص الحاجة إلى عمليات الإمداد المتكررة أو الوجود البشري المباشر على متن المنصة.
كما يمكن إطلاق الدرون خلال دقائق بواسطة شخص واحد أو اثنين فقط، مع إمكانية نقله بسهولة عبر شاحنة أو طائرة. ما يضيف إليه مرونة لوجستية كبيرة في عمليات إعادة الانتشار بين المسارح البحرية المختلفة.
سرعة محدودة.. لكن مثالية لمهام المراقبة والاستطلاع
وتبلغ السرعة القصوى للمنصة نحو 5 عقدات بحرية، وهي سرعة تبدو محدودة مقارنة بالوحدات السريعة. لكنها تتناسب مع طبيعة المهام التي صممت لها، والتي تركز على التحمل الطويل وليس المناورة القتالية.
وتعد هذه السرعة كافية لتنفيذ مهام مثل مكافحة التهريب، رصد الصيد غير القانوني، حماية المرافق الحيوية، مراقبة الممرات البحرية، وتعزيز الأمن البحري في المناطق الساحلية والمفتوحة.
تقنيات متقدمة للعمل في البيئات البحرية المعقدة
وتعتمد “Lightfish” على منظومة تقنية متقدمة تجعلها منصة ذكية قادرة على العمل باستقلالية نسبية في ظروف بحرية معقدة.
وتشمل هذه المنظومة أنظمة لتجنب الاصطدام، خوارزميات ذكاء اصطناعي، نظام ملاحة يعمل حتى في حال فقدان إشارة GPS، وخمس كاميرات عالية الدقة أنظمة اتصالات متعددة.
وتمنح هذه التجهيزات المنصة قدرة على مواصلة مهامها في البحر حتى في البيئات التي قد تشهد ضعفًا أو انقطاعًا في بعض إشارات الملاحة أو الاتصالات التقليدية. مع الحفاظ على مستوى عالٍ من المتابعة والتحكم من مراكز التشغيل.
طاقة شمسية مدعومة بخلية وقود ميثانول
تعمل المنصة بشكل أساسي عبر الطاقة الشمسية، وهو ما يفسر قدرتها على البقاء لفترات طويلة في البحر. إلا أن الشركة المطورة زودتها أيضًا بخلية وقود تعمل بالميثانول توفر ما بين 11 و28 كيلوواط/ساعة.
ويمنح هذا النظام الهجين الدرون مستوى أعلى من الاعتمادية التشغيلية، خاصة خلال الظروف الجوية المتقلبة أو في الفترات التي تنخفض فيها كفاءة الألواح الشمسية. ما يضمن استمرار تشغيل أنظمة الملاحة والاستشعار والاتصالات دون انقطاع.
ويمثل هذا التصميم نموذجًا متقدمًا يجمع بين الاستدامة الطاقية والجاهزية التشغيلية العسكرية.
منصة مخصصة للمراقبة وليست للتسليح
وعلى عكس بعض المنصات البحرية الأخرى التي تطور لأغراض هجومية أو شبه قتالية، فإن “Lightfish” مخصصة حصريًا للمراقبة والاستطلاع، ولا تحمل تجهيزات تسليحية.
ويعكس هذا التوجه سعي البحرية الأمريكية إلى بناء شبكة واسعة من العيون البحرية الذكية، القادرة على البقاء لفترات طويلة وجمع المعلومات ورفع الوعي بالمجال البحري، بدلًا من تحميل كل منصة أدوارًا قتالية مباشرة.
كما تتميز المنصة بهيكل معياري يسمح بسهولة تفكيك المكونات وصيانتها، مع إمكانية تبديل الحمولات خلال دقائق. ما يمنحها مرونة كبيرة في التكيف مع متطلبات المهام المختلفة.
وتقول الشركة المطورة إن تشغيلها لا يحتاج إلى خبرات معقدة. إذ يمكن لأي شخص تعلم التحكم بها عبر نظام تشغيل من خلال المتصفح خلال خمسة أيام فقط.
«Quickfish» و«Heavyfish».. عائلة بحرية غير مأهولة قيد التوسع
لا تتوقف طموحات شركة “Seasats” عند منصة “Lightfish” فقط، بل تعمل أيضًا على تطوير منصتين إضافيتين ضمن عائلة الدرونات البحرية نفسها.
المنصة الأولى هي “Quickfish”، وهي نسخة أسرع بكثير، تصل سرعتها إلى 35 عقدة بحرية، لكنها أقل قدرة على التحمل. إذ لا يمكنها البقاء في البحر لأكثر من شهر واحد تقريبًا.
أما المنصة الثانية فهي “Heavyfish”، وهي النسخة الأكبر، إذ يبلغ وزنها نحو 9 آلاف رطل، وتصل سرعتها إلى 12 عقدة بحرية. مع قدرة على البقاء في البحر لمدة تصل أيضًا إلى 6 أشهر.
ويشير هذا التنوع إلى توجه واضح نحو بناء منظومة متكاملة من الدرونات البحرية، تتوزع بين السرعة والحمولة ومدى البقاء، بما يسمح بتخصيص كل منصة وفق طبيعة المهمة البحرية المطلوبة.
اختبارات ناجحة عبر المحيط الهادئ
أثبتت “Lightfish” قدرتها التشغيلية مبكرًا خلال يونيو 2024، حين نفذت رحلة طويلة من سان دييغو إلى هاواي. قطعت خلالها نحو 2500 ميل بحري خلال 73 يومًا.
ورغم تعرضها لعطل ناتج عن إعصار أثناء محاولة لاحقة للعبور نحو اليابان، فإن المنصة عادت وأثبتت كفاءتها في 2025 عبر رحلة أطول وأكثر تعقيدًا.
اختبار عملياتي في المحيط الهندي ضمن «Cutlass Express 2026»
في فبراير 2026، دخلت المنصة مرحلة أكثر تقدمًا من الاختبار. حين خضعت لتجربة عملياتية جديدة ضمن مناورة Cutlass Express 2026، التي نفذتها قيادة الأسطول السادس الأمريكي في غرب المحيط الهندي.
وخلال المناورة، جرى إطلاق الدرون من سفينة الدعم التابعة لبحرية سيشل “Saya De Malha”. في تجربة تعكس انتقال المنصة من مجرد مشروع تقني واعد إلى أداة قابلة للاستخدام ضمن البيئات العملياتية متعددة الجنسيات.
وتحمل هذه التجربة أهمية خاصة في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية عالميًا من حيث أمن الملاحة، ومكافحة التهريب، والقرصنة، وحماية خطوط التجارة والطاقة.
خطوة جديدة نحو أسطول بحري موزع وذكي
من المتوقع أن تعزز “Lightfish”، إلى جانب الجيل الجديد من الدرونات البحرية وتحت البحرية، قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تأمين الممرات الملاحية العالمية.
إلى جانب رفع كفاءة جمع المعلومات البحرية، وتحسين الاستجابة المبكرة للتهديدات في المناطق الحساسة.
ويبرز في هذا السياق أيضًا الدرون تحت البحري “Lamprey” الذي تطوره لوكهيد مارتن. ما يشير إلى أن البحرية الأمريكية تتجه نحو بناء شبكات متكاملة من الأنظمة غير المأهولة فوق سطح البحر وتحته.
ولا يمثل دخول “Lightfish” الخدمة مجرد إضافة تقنية جديدة، بل يعكس تحولًا أوسع في العقيدة البحرية الأميركية، من الاعتماد على السفن التقليدية الثقيلة إلى مفهوم الأسطول الموزع الذكي.