الغاز الطبيعي المسال تحت الضغط.. تعطل الإمدادات القطرية ومخاطر الشحن
يشهد سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي تحولًا لافتًا في طبيعة الأزمة التي يواجهها؛ إذ لم تعد الاضطرابات مقتصرة على تراجع الإمدادات فقط؛ بل امتدت لتشمل اختناقات في حركة الشحن.
ويأتي هذا في ظل الأضرار الكبيرة التي طالت البنية التحتية للطاقة في قطر، والانخفاض الحاد في كفاءة العبور عبر مضيق هرمز.
وباتت السوق تواجه أزمة مركبة تتشابك فيها خسائر الإنتاج مع تعقيدات النقل البحري والمخاطر الجيوسياسية. وذلك بحسب تقرير منصة “Signal Ocean”، وهي منصة رقمية متقدمة للذكاء والتحليلات في قطاع الشحن البحري، اليوم.
أضرار في البنية التحتية القطرية تضغط على السوق العالمية
ولا تزال تداعيات الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة القطرية تلقي بظلال ثقيلة على سوق الغاز الطبيعي المسال.
وجاء ذلك بعدما أسفرت عن خروج ما يقرب من 17 % من الطاقة التصديرية القطرية من الخدمة؛ ما يعادل نحو 3 % من إجمالي الإمدادات العالمية.
وتركزت الأضرار بشكل رئيس في وحدات تسييل الغاز بمدينة رأس لفان؛ حيث تعرضت وحدات المعالجة والبنية التحتية المرتبطة بها لضربات مباشرة أدت إلى توقف عدد من خطوط الإنتاج.
وأشار التقرير إلى أن استعادة الطاقة التشغيلية الكاملة قد تتطلب فترة طويلة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. ما يعكس حجم الضرر الذي لحق بأحد أهم مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم.
«قطر للطاقة».. الصادرات مستمرة ولكن بقدرات أقل
في أول تعليق رسمي، أوضحت شركة قطر للطاقة أن الخطوط التي تعرضت للأضرار تم إيقافها عقب الحادث مباشرة.
فيما تواصل صادرات الغاز الطبيعي المسال انطلاقها من المنشآت التي لم تتأثر، ولكن بطاقة إنتاجية منخفضة.
كما أكدت الشركة أن عمليات التقييم الفني ما زالت جارية لتحديد الحجم الكامل للأضرار، بالتوازي مع بدء أعمال الإصلاح والمعالجة.
هذا التطور يعني أن السوق لا تواجه توقفًا كاملًا للصادرات القطرية، لكنها تتعامل مع تراجع ملموس في القدرة التصديرية من أحد أكبر الموردين العالميين. وهو ما يفرض ضغوطًا متزايدة على التوازن الهش بين العرض والطلب.
ارتفاع الأسعار في أوروبا وتوقعات باستمرار التشدد
وانعكست هذه الاضطرابات سريعًا على الأسواق الأوروبية. حيث شهدت عقود الغاز المرتبطة بمؤشر TTF القياسي ارتفاعًا واضحًا فور ظهور تداعيات الأزمة.
ورغم مرور بعض الوقت على الحدث، لا تزال الأسعار عند مستويات مرتفعة. فيما توحي منحنيات العقود الآجلة بأن حالة التشدد في السوق مرشحة للاستمرار حتى عام 2027 على الأقل.
ويعكس هذا السلوك السعري إدراك المتعاملين أن الأزمة لا تتعلق فقط بصدمة مؤقتة في الإمدادات. بل ترتبط أيضًا بخلل أعمق في القدرة على تدفق الشحنات ووصولها إلى الأسواق النهائية.
اختناق السفن في الخليج: الأزمة تنتقل من الإنتاج إلى حركة العبور
وأوضح التقرير الأزمة تجاوزت حدود الإنتاج يظهر بوضوح في حركة السفن داخل الخليج العربي. فعدد متزايد من ناقلات الغاز الطبيعي المسال يوجد حاليًا في وضع انتظار، لا سيما بالقرب من رأس لفان.
ويعكس هذا تراكمًا ملحوظًا في السفن المتوقفة وارتفاعًا في أحجام الحمولة غير القادرة على الحركة، بحسب التقرير.
وتظهر البيانات الشهرية لحركة السفن في مضيق هرمز انقطاعًا واضحًا عن الأنماط الموسمية المعتادة. ففي مارس الجاري، بلغ متوسط التحرك لثلاثة أيام نحو 11 سفينة، مقارنة بمعدل طبيعي يتراوح بين ثلاث وأربع سفن يوميا.
ويشير ذلك إلى أن السفن تتكدس داخل الممر الملاحي بدلًا من العبور بانسيابية كما كان يحدث سابقًا، وفقا للتقرير.
ولا يقتصر الأمر على الازدحام فقط، بل تكشف بيانات نقاط العبور عن اضطراب أشد خطورة. إذ هبطت حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز في الاتجاهين إلى مستويات تقارب الصفر خلال فترة قصيرة.
عبور انتقائي وبيئة تشغيل أقل شفافية
ورغم أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تتوقف بالكامل، فإنها باتت أكثر انتقائية وأقل قابلية للتنبؤ.
وأشار التقرير إلى أن بعض السفن، خصوصًا ناقلات النفط والسفن التجارية الأخرى، لا تزال قادرة على العبور ولكن على نطاق محدود. وفي بعض الحالات بعد تفاوض مباشر أو مقابل تكاليف عبور أعلى.
هذا الواقع يكرس ما يمكن وصفه بـ”نظام عبور مزدوج”، حيث تحصل بعض فئات السفن على إمكانية المرور وفق شروط محددة.
بينما تظل ناقلات الغاز الطبيعي المسال مقيدة فعليًا، نتيجة ضعف مرونة هذا القطاع وصغر حجم الأسطول المتاح مقارنة بقطاعات شحن أخرى.
آسيا تتحرك سريعًا.. والفحم يعود إلى الواجهة
في آسيا، بدأت الحكومات في التحرك سريعًا لمواجهة تراجع موثوقية إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
ففي الهند، صدرت توجيهات لمحطات الكهرباء العاملة بالفحم بضرورة التشغيل بكامل طاقتها. مع تأجيل أعمال الصيانة لتجنب حدوث عجز في الكهرباء خلال ذروة الطلب الصيفي.
أما في كوريا الجنوبية، فقد اتجهت السلطات إلى تخفيف القيود المفروضة على توليد الكهرباء بالفحم. بالتوازي مع تقليص استخدام الغاز الطبيعي المسال وزيادة الاعتماد على الطاقة النووية ضمن حزمة طوارئ أوسع لإدارة قطاع الطاقة.
وفي دول جنوب شرق آسيا، مثل فيتنام وتايلاند والفلبين وإندونيسيا، بدأت الحكومات بالفعل في تعزيز التوليد باستخدام الفحم. مع إعطاء أولوية أكبر لإمدادات الوقود المحلية بهدف الحفاظ على استقرار الشبكات الكهربائية.
بيانات التدفقات تؤكد التحول في أنماط الطلب
سجلت أحجام الغاز الطبيعي المسال تراجعًا حادًا، مع هبوط تدفقات مارس الجاري بنحو 87 % على أساس شهري وسنوي، بحسب التقرير.
وتعكس هذه الأرقام ضطراب الإمدادات القادمة من الخليج، والتحول السريع في سلوك المشترين الآسيويين نحو بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا، وفي مقدمتها الفحم.
ويشير ذلك إلى أن الأزمة الحالية قد لا تقتصر على صدمة عرض مؤقتة، بل قد تدفع بعض الاقتصادات الآسيوية إلى إعادة ترتيب أولوياتها في مزيج الوقود. بما يمنح مصادر الطاقة المحلية والفحم دورًا أكبر خلال فترات عدم اليقين.
من سوق مقيدة بالإنتاج إلى أخرى مرتبطة بالتدفقات
يدخل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي الآن مرحلة جديدة لم تعد فيها المشكلة الأساسية مرتبطة فقط بكمية الغاز التي يمكن إنتاجها؛ بل بمدى القدرة على إيصال هذا الغاز إلى الأسواق النهائية بشكل منتظم وآمن.
ففقدان جزء من الطاقة التصديرية القطرية، وازدحام السفن، واضطراب العبور عبر مضيق هرمز، حول السوق فعليًا إلى سوق مقيدة بحركة التدفقات أكثر من كونها مقيدة بالإنتاج وحده.
ويمثل هذا تحولًا جوهريًا في طبيعة السوق. حيث لم تعد العوامل الإنتاجية التقليدية هي العامل الحاسم الوحيد، بل أصبحت اللوجستيات، والمخاطر الأمنية، والتوترات الجيوسياسية عناصر أكثر تأثيرًا في تحديد توافر الإمدادات وأسعارها.