عالم المونيء

«ألفالاينر»: تصاعد التوترات في الخليج يعيد رسم توقعات سوق الحاويات

أظهر أحدث تقرير صادر عن شركة “ألفالاينر” لأبحاث الشحن البحري، أن تصاعد الصراع في الخليج العربي أحدث تحولًا جوهريًا في توقعات سوق الشحن البحري مع بداية عام 2026.

ويأتي ذلك بعدما بدد الصراع الآمال التي كانت قائمة بشأن العودة التدريجية للخدمات الملاحية إلى البحر الأحمر وقناة السويس.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأسواق تترقب استعادة جزء من المسارات التقليدية عبر البحر الأحمر، جاءت التطورات الأمنية في الخليج لتفرض واقعًا جديدًا أكثر تعقيدًا.

وقد دفعت هذه التطورات خطوط الملاحة إلى إعادة تقييم شبكاتها التشغيلية، وتعليق خطط العودة التدريجية، والاعتماد مجددًا على مسارات أطول وأكثر كلفة.

المخاطر الإقليمية تجبر الخطوط الملاحية على التحويل

وأوضح التقرير أن تصاعد المخاطر الأمنية والملاحية في المنطقة أجبر معظم خطوط الشحن على اللجوء إلى مسارات بديلة. في محاولة لتفادي مناطق التهديد أو تقليل الانكشاف على الاضطرابات.

وفي الوقت نفسه، وجدت العديد من سفن الحاويات نفسها عاجزة عن دخول الخليج العربي أو عبوره. بسبب الارتفاع الحاد في مخاطر الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي أصبح يمثل نقطة اختناق شديدة الحساسية بالنسبة لحركة التجارة البحرية.

ويعني ذلك أن الأزمة لم تؤد فقط إلى إطالة الرحلات ورفع التكاليف، بل بدأت أيضًا تؤثر بصورة مباشرة على توزيع السعة الفعلية للأسطول العالمي، عبر تعطيل سفن أو إبعادها عن مساراتها المعتادة.

90 سفينة فقط خارج الخدمة التجارية

وبحسب بيانات ألفالاينر، لم يُرصد، حتى 9 مارس الجاري، سوى 90 سفينة حاويات فقط في حالة توقف عن العمل التجاري. بإجمالي سعة تبلغ 235,026 حاوية مكافئة (TEU).

ويمثل هذا الرقم نحو 0.7 % فقط من إجمالي الأسطول العالمي، وهو مستوى بالغ الانخفاض. ويعكس بوضوح أن سوق الحاويات العالمية باتت شبه مستغلة بالكامل، مع تقلص هامش السعة الفائضة إلى أدنى المستويات تقريبًا.

ويعد هذا التراجع الحاد في عدد السفن غير النشطة مؤشرًا قويًا على أن السوق لم تعد تملك رفاهية امتصاص الصدمات بسهولة. إذ يجري استيعاب أي طاقة فائضة متاحة بسرعة شديدة تحت ضغط الاضطرابات التشغيلية المتلاحقة.

سفن متأثرة خارج الإحصاءات التقليدية

ورغم انخفاض عدد السفن غير النشطة رسميًا، شددت ألفالاينر على أن هذه السجلات لا تشمل السفن المتأثرة بشكل مباشر بالأزمة في الشرق الأوسط، وهو ما يعني أن الصورة الفعلية أكثر تعقيدًا من الأرقام الظاهرة.

فعدد من السفن المتضررة من الأزمة لا يزال متمركزًا في مواقع انتظار، أو يبحر خارج مساراته البحرية المعتادة، أو يتحرك ضمن ترتيبات تشغيلية استثنائية لا تضعه تلقائيًا ضمن فئة “السفن غير النشطة” بالمعنى التجاري التقليدي.

وهذا الفارق بين التوقف الرسمي والتوقف القسري غير المحسوب يعد أحد أهم المؤشرات على اختلال قراءة السوق إذا تم الاعتماد فقط على الأرقام المباشرة لأسطول السفن المتوقف.

73 سفينة حاويات على الأقل خارج مسارها الطبيعي بسبب النزاع

وأشار التقرير إلى أنه تم رصد ما لا يقل عن 73 سفينة حاويات، بإجمالي سعة تقارب 400 ألف حاوية نمطية. وهي سفن باتت خارج مسارها المعتاد أو متأثرة بصورة مباشرة بتداعيات النزاع في المنطقة.

ويمثل هذا الرقم كتلة مهمة من السعة العالمية، خصوصًا أن هذه السفن ليست متاحة فعليًا للسوق بالشكل الطبيعي، حتى وإن لم تُسجل رسميًا كسفن متوقفة عن العمل.

ورجح التقرير أن يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك، في ظل عدة عوامل تعقّد الرصد، أبرزها تعطيل أنظمة التعرف الآلي (AIS)، تراجع مستوى الرؤية التشغيلية الكاملة أثناء الملاحة في المنطقة.

بالإضافة إلى تغير المسارات بشكل متكرر، وجود سفن في أوضاع انتظار أو تحرك غير اعتيادي يصعب تصنيفها بدقة، بحسب التقرير.

“التوقف القسري” يضغط على السعة العالمية رغم غيابه عن السجلات

وأحد أبرز الاستنتاجات التي يطرحها تقرير ألفالاينر يتمثل في مفهوم “التوقف القسري”، أي الحالة التي تكون فيها السفن غير متاحة فعليًا للسوق رغم أنها لا تظهر رسميًا ضمن قائمة السفن المتوقفة عن النشاط التجاري.

فالسفينة التي تدور في مسار بديل طويل، أو تنتظر في منطقة آمنة، أو تعجز عن دخول ميناءها المستهدف، لا تترجم عمليًا إلى سعة تشغيلية قابلة للاستخدام الفوري، حتى لو استمرت نظريًا في الحركة.

ومن ثم، فإن هذا النوع من التوقف غير المرئي يسحب من السوق جزءًا معتبرًا من السعة العالمية. كما يؤدي إلى تشديد العرض الفعلي. بما يخلق ضغوطًا متزايدة على الأسعار والجداول والمرونة التشغيلية.

تحويل الشحنات من موانئ رئيسية

ومع استمرار النزاع، توقعت ألفالاينر أن يشهد السوق ارتفاعًا إضافيًا في الطلب الفعلي على الطاقة الاستيعابية، ليس فقط بسبب اضطراب المسارات. بل أيضًا بفعل الازدحام المتزايد في الموانئ وتحويل تدفقات الشحن إلى مراكز بديلة.

وأكد التقرير أن أن الأزمة لم تعد محصورة في مسألة العبور عبر المضائق فقط. بل امتدت إلى إعادة توزيع أحجام التداول البحري إقليميًا.

وتابع أن ذلك خلق نقاط اختناق جديدة في موانئ لم تكن مصممة لاستقبال هذا الحجم المفاجئ من التدفقات، وفقًا للتقرير.

طفرات مفاجئة في الرحلات تؤدي إلى ازدحام الأرصفة والساحات

وحذر التقرير من أن الارتفاعات المفاجئة في عدد الرحلات أو الشحنات المحوّلة قد تتسبب في:

  • ازدحام الأرصفة والساحات داخل الموانئ البديلة.
  • إطالة فترات الانتظار وارتفاع الضغط على الخدمات المساندة مثل المناولة والتخزين والنقل البري.

وتقود هذه العوامل مجتمعة إلى سلسلة من التأثيرات التشغيلية السلبية، من بينها:

  • زيادة زمن بقاء السفن في الميناء.
  • تراجع سرعة دوران الحاويات.
  • تعطل تسلسل الجداول الملاحية.
  • تفاقم الفجوات الزمنية بين الرحلات.

انخفاض الكفاءة التشغيلية لشبكات الخطوط المنتظمة

ومع تراكم هذه التأثيرات، يصبح النظام الملاحي العالمي أكثر عرضة للاختلال، حتى لو ظلت بعض المؤشرات التقليدية – مثل عدد السفن غير النشطة – تبدو مستقرة ظاهريًا.

وكشفت بيانات ألفالاينر أن سوق الحاويات العالمية تقترب من مرحلة استنزاف تشغيلي شبه كامل.

وتابعت أن الخطر الحقيقي لم يعد متمثلًا فقط في نقص السفن، بل في تراجع السعة القابلة للاستخدام الفعلي نتيجة التحويلات، والانتظار، والمسارات الأطول، والازدحام المتنامي.

فكل اضطراب إضافي في الخليج أو البحر الأحمر لا يؤدي فقط إلى تأخير بعض الرحلات. بل يسحب من السوق قدرًا إضافيًا من المرونة التشغيلية. كما يحول جزءًا من الأسطول إلى سعة “موجودة نظريًا” لكنها غير فعالة تجاريًا في الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى