التوترات في مضيق هرمز تشعل أسواق الطاقة والشحن البحري
عاد قطاع الشحن البحري ليتصدر المشهد العالمي مجددًا في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بعد أن شهدت حركة السفن عبر مضيق هرمز تراجعًا حادًا تجاوز 90 %.
وجاء ذلك بالتزامن مع هجمات استهدفت سفنًا وموانئ، إلى جانب أضرار لحقت ببعض منشآت الطاقة، ما أدى إلى تقلبات قوية في أسواق تأجير السفن.
ويبرز تساؤل رئيسي حول طبيعة التأثيرات الأولية لهذه التطورات على سوق الشحن البحري، خاصة مع تسجيل مؤشر ClarkSea Index أعلى مستوى له في تاريخه، فضلًا عن محاولة استشراف السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة.
جاء ذلك بسحب أحدث تقرير لـ Clarksons Research، وهي شركة أبحاث وتحليلات متخصصة في أسواق الشحن البحري والقطاع البحري العالمي. وتعد واحدة من أهم الجهات التي تقدم بيانات وتحليلات دقيقة عن حركة التجارة البحرية، أساطيل السفن، وأسواق تأجير السفن.
حركة التجارة عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الأزمة
وقال التقرير إنه حتى وقت قريب، كان مضيق هرمز يمثل شريانًا أساسيًا لتجارة الطاقة العالمية المنقولة بحرًا.
وأضاف أن ما يقرب من 30 % من تجارة النفط البحرية العالمية – أي نحو 20 مليون برميل يوميًا، بما يعادل حوالي 20 % من إجمالي الإمدادات العالمية – كان يعبر هذا الممر الحيوي.
كما كان المضيق يشهد مرور نحو 30 % من تجارة غاز البترول المسال المنقولة بحرًا، إضافة إلى حوالي 20 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وإلى جانب تدفقات الطاقة، كانت نسبة تقارب 3% من تجارة البضائع السائبة الجافة والحاويات العالمية تمر أيضًا عبر المضيق، ضمن حركة يومية تقارب 150 سفينة في الظروف الطبيعية.
وفي ذلك الوقت، كان يوجد داخل منطقة الخليج نحو 3,200 سفينة، بينما بلغ عدد السفن المشاركة في التجارة الدولية – باستثناء السفن المحلية مثل قوارب الخدمات البحرية – حوالي 1,100 سفينة.
وتمثل هذه السفن ما يقرب من 2 % من إجمالي الحمولة العالمية، بقيمة تقديرية تصل إلى نحو 30 مليار دولار، وتشمل نحو 8 % من أسطول ناقلات النفط العملاقة VLCC (Very Large Crude Carrier)، إلى جانب ست سفن سياحية.
وتضم منطقة الخليج عددًا من أهم المنشآت البحرية المرتبطة بتجارة الطاقة. من بينها مرافق تصدير النفط الكبرى في رأس تنورة وميناء البصرة النفطي وميناء الأحمدي.
بالإضافة إلى أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم في رأس لفان. وكذلك مركز الحاويات الرئيسي في ميناء جبل علي.
تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة
مع تصاعد التوترات، أدت التهديدات والهجمات الإيرانية – التي استهدفت حتى الآن نحو 15 سفينة – إلى تراجع حاد في حركة المرور عبر مضيق هرمز. حيث انخفضت عمليات العبور بأكثر من 90 %.
كما تزامن ذلك مع سلسلة من الحوادث التي طالت البنية التحتية للطاقة، شملت موانئ ومصافي نفطية.
إلى جانب تعطل منشآت للغاز الطبيعي المسال وتراجع إنتاج النفط. فضلاً عن تعليق بعض تدفقات خطوط الأنابيب. وأسهمت هذه التطورات مجتمعة في تحريك أسواق الطاقة العالمية بشكل ملحوظ.
وخلال الأسبوع ذاته، شهدت الأسعار ارتفاعات متتالية، إذ تجاوز سعر خام Brent Crude Oil مستوى 90 دولارًا للبرميل بحلول يوم الجمعة، بزيادة بلغت نحو 25 %.
وفي المقابل، كانت الزيادات في أسعار المنتجات المكررة أكثر حدة. حيث ارتفع وقود الطائرات في أوروبا بنحو 80 %.
بينما صعدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو 60 %، رغم أنها ما تزال أقل بنحو 80 % من مستويات عام 2022.
البحث عن مسارات بديلة لإمدادات الطاقة
في ظل هذه الاضطرابات، يجري العمل على إيجاد بدائل لإمدادات الطاقة كلما كان ذلك ممكنًا. ففي المملكة العربية السعودية، يجري تعزيز تدفقات النفط عبر خط أنابيب الشرق–الغرب إلى البحر الأحمر.
وأشارت بيانات التتبع إلى توجه نحو 15 ناقلة نفط عملاقة إلى ميناء ينبع، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدل المعتاد، بحسب التقرير.
ورغم ذلك، تبقى قدرة الأسواق العالمية على تعويض الكميات المعطلة محدودة.
وسمحت الولايات المتحدة للهند باستيراد شحنات من النفط الروسي الموجود بالفعل في البحر. بينما من غير المرجح أن تلجأ الصين إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية.
كما أن زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة في الأجل القصير تواجه قيودًا واضحة.
وأكد التقرير أن عامل الزمن يبقى عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاهات أسواق الطاقة والشحن. فبعض التقارير تشير إلى احتمال اضطرار منتجي النفط في الخليج إلى تقليص أو إيقاف الإنتاج خلال أيام أو أسابيع نتيجة محدودية قدرات التخزين.
في المقابل، تظل هناك عدة سيناريوهات محتملة، من بينها تنظيم قوافل بحرية لحماية السفن من قبل الولايات المتحدة، أو التوصل إلى تسويات سياسية أو عسكرية.
وتشير حركة الأسواق إلى أن التوقعات الحالية ترجح اضطرابًا يمتد لأسابيع وليس لأشهر، بحسب التقرير.
تحولات ملحوظة في أسواق الشحن البحري
انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على أسواق الشحن البحري، خاصة في قطاع نقل الطاقة. فقد سجلت سوق ناقلات النفط العملاقة VLCC (Very Large Crude Carrier) قفزة قياسية.
وبلغت الأرباح النظرية الفورية على خط الخليج العربي إلى شرق آسيا نحو 480 ألف دولار يوميًا، بحسب التقرير.
وامتدت هذه القوة إلى مناطق أخرى، إذ تجاوزت أرباح الناقلات العملاقة القادمة من خليج الولايات المتحدة وغرب أفريقيا 220 ألف دولار يوميًا. كما انعكس الزخم أيضًا على سوق ناقلات المنتجات النفطية.
أما في قطاع الغاز الطبيعي المسال، فقد قفزت أسعار التأجير الفوري لناقلات الغاز إلى نحو خمسة أضعاف، لتصل إلى حوالي 200 ألف دولار يوميًا.
تأثيرات متفاوتة على باقي قطاعات الشحن
في المقابل، تبدو التداعيات على بقية قطاعات الشحن أكثر إقليمية حتى الآن. فقد سجلت أرباح سفن البضائع السائبة تراجعًا طفيفًا. بينما ارتفعت أسعار نقل الحاويات بين الشرق الأقصى وأوروبا بنسبة محدودة بلغت نحو 2%.
ورغم هذا الارتفاع المحدود، إلا أن جداول تشغيل خدمات الحاويات تعرضت لاضطرابات. مع تصاعد المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية واحتمالات تزايد الازدحام في الموانئ.
كما أن استمرار تأجيل العودة إلى العبور عبر قناة السويس يسهم في دعم السوق. خاصة مع ارتفاع منحنى العقود المستقبلية على المدى القريب، وإن ظل بعيدًا كثيرًا عن المستويات التي شهدتها الأسواق خلال جائحة COVID-19.
“مكاسب الاضطراب” في سوق الشحن
على الرغم من المخاطر التشغيلية الكبيرة والضغوط المرتبطة بالوضع الأمني، فإن أسواق الشحن تحقق في الوقت الراهن ما يمكن وصفه بـ“مكاسب الاضطراب”.
وبلغ متوسط مؤشر ClarkSea Index نحو 53,319 دولارًا يوميًا. وهو مستوى تاريخي يعكس ارتفاع العوائد في عدد من القطاعات، وفقًا للتقرير.
ومع ذلك، تبقى الأسواق شديدة التعقيد والديناميكية؛ إذ إن استمرار تراجع بعض أحجام التجارة العالمية قد يؤدي في نهاية المطاف إلى ضغوط سلبية على السوق.
وفي ظل هذه المتغيرات المتسارعة، سيظل تطور الأوضاع الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاهات أسواق الطاقة والشحن خلال الفترة المقبلة.