“كرايساليس”.. سفينة أجيال في رحلة تمتد 400 عام عبر الفضاء
لم يكن مشروع «كرايساليس» مجرد تصميم فاز بمسابقة هندسية عالمية، بل محاولة جريئة لرسم ملامح أعظم مشروع هندسي قد يفكر فيه البشر.
ويتكون هذا المشروع من سفينة فضاء بطول 58 كيلومترًا، تحمل مجتمعًا كاملًا في رحلة تستغرق 400 عام نحو نجم بعيد، رحلة يعلم ركابها مسبقًا أنهم لن يعودوا إلى الأرض، بل قد لا يشهدون الوصول إلى الوجهة.
الفكرة تقوم على نقل نحو 2400 إنسان ليعيشوا ويموتوا على متن السفينة، فيما يواصل أحفادهم المهمة جيلًا بعد جيل على مدار 16 جيلًا متعاقبًا. وذلك بحسب تقرير موقع “العربية” اليوم، والذي نقله عن “Daily Galaxy”.
وقال التقرير إن مجتمع كامل يولد في الفضاء، وينشأ فيه، ويعتمد كليًا على أنظمة مغلقة لإنتاج الغذاء وتدوير المياه والهواء، دون أي دعم من الأرض.
تصميم علمي يتجاوز الخيال
أشار التقرير إلى أن التصميم الأصلي للمشروع لم يطرح بوصفه خيالًا علميًا، بل كوثيقة تقنية مفصلة تمتد عبر مئات الصفحات.
وتتضمن تلك الصفحات رسومات لمدن داخلية ومزارع، وحسابات دقيقة للجاذبية الاصطناعية، وتوزيع الكتلة، وأنظمة الطاقة، بل وحتى نماذج للحكم وإدارة مجتمع معزول لقرون.
الجاذبية الاصطناعية، على سبيل المثال، لا يمكن توليدها إلا عبر الدوران. لكن البشر لا يتحملون سرعات دوران عالية، إذ يبدأ الشعور بالدوار وفقدان التوازن عند تجاوز دورتين في الدقيقة.
ولتجنب ذلك، يتطلب الأمر هيكلًا هائل الحجم يسمح بدوران بطيء مع توفير جاذبية مقبولة، وهو ما يفسر الوصول إلى رقم صادم: 58 كيلومترًا طولًا. مع أسطوانات ضخمة تدور في اتجاهات متعاكسة لامتصاص الاهتزازات.
وضعت منطقة السكن في مقدمة السفينة ومائلة قليلًا، لتقليل مخاطر الاصطدام بالغبار الكوني خلال مرحلتي التسارع والتباطؤ. في تصميم يعكس قيودًا فيزيائية صارمة أكثر مما يعكس رفاهية هندسية.
تحديات البناء.. من الأرض إلى الفضاء
لا توجد اليوم محطة فضائية قادرة على تجميع هيكل بهذا الحجم، ولا صاروخ يستطيع حمل مكوناته من الأرض. لذا يقترح المشروع أن يتم البناء في نقاط لاغرانج في الفضاء. حيث تتوازن قوى الجاذبية وتصبح عمليات التجميع أقل استهلاكًا للطاقة.
أما الدفع، فيفترض الاعتماد على محرك اندماج نووي يعمل بالهيليوم-3 والديوتيريوم، لتوفير طاقة تسارع لمدة عام كامل قبل دخول السفينة في رحلة انسيابية تمتد أربعة قرون.
غير أن الواقع العلمي مختلف؛ فلا يوجد حتى الآن مفاعل اندماج نووي عملي يعمل في الفضاء، ولا دروع إشعاعية قادرة على حماية البشر من الأشعة الكونية لمئات السنين، ولا أنظمة تبريد يمكنها الصمود في الفراغ الكوني كل هذه المدة.
وأكد التقرير أن فكرة بناء السفينة داخل كويكب مجوف، التي اقترحها بعض المتنافسين، تظل بعيدة عن التطبيق.
الاكتفاء الذاتي.. درس من التجارب السابقة
تعتمد «كرايساليس» على نظام بيئي مغلق بالكامل، لكن التجارب الحالية تظهر هشاشة هذا الطموح. فعلى متن محطة الفضاء الدولية لا تتجاوز كفاءة إعادة تدوير المياه 98 %. وهي نسبة مرتفعة لكنها غير كافية لبيئة مغلقة تعمل أربعة قرون بلا دعم خارجي.
أما تجربة بايوسفير 2 فقد أظهرت مدى صعوبة الحفاظ على توازن الغازات داخل نظام مغلق حتى لفترات قصيرة. إذ واجه المشاركون اختلالات حادة خلال أشهر قليلة فقط.
مجتمع مغلق لأربعة قرون.. التحدي الاجتماعي
ربما كان التحدي الأكثر تعقيدًا في المشروع هو البعد الاجتماعي. فالسفينة لا تنقل رواد فضاء لفترة محدودة. بل مجتمعًا كاملًا سيعيش في عزلة تامة لقرون.
استند التصميم إلى دراسات العزلة في قواعد القطب الجنوبي. حيث تؤثر البيئة المغلقة والظلام الطويل في السلوك البشري.
واقترح المشروع إدارة سكانية دقيقة عبر تنظيم الولادات، وتحويل رعاية الأطفال إلى مسؤولية جماعية بدلًا من الاعتماد الكامل على الأسر النووية.
أما المعرفة التقنية، فستحفظ في أنظمة رقمية تضمن انتقال الخبرة عبر الأجيال، مع نموذج حكم يعتمد على قرارات مدعومة بالذكاء الاصطناعي. رغم أن هذا النموذج لم يختبر عمليًا في مجتمع بشري معزول طويل الأمد.
فحتى اليوم، لم تختبر البشرية عزلة كاملة تتجاوز عامًا أو عامين، سواء في المحيطات أو الصحاري أو الفضاء، فما بالك بأربعة قرون متواصلة.، إذا أردنا يومًا مغادرة الأرض نحو أعماق الكون.